ابن أبي الحديد

142

شرح نهج البلاغة

إن قيل : هذا الجواب ينبئ على أن معارف أهل الآخرة ضرورية ، لأنكم أجبتم عن مسألة الشكر ، بأن الله تعالى يفعل المعارف في أهل الجنة ، فدللوا على ذلك ، بل يجب عليكم أن تدللوا أولا على أن أهل الآخرة يعرفون الله تعالى . قيل : أما الدليل على أنهم يعرفونه تعالى ، فإن المثاب لا بد أن يعلم وصول الثواب إليه على الوجه الذي استحقه ، ولا يصح ذلك إلا مع المعرفة بالله تعالى ، ليعلم أن ما فعله به هو الذي لمستحقه ، والقول في المعاقب كالقول في المثاب . وأيضا فإن من شرط الثواب مقارنة التعظيم والتبجيل له من فاعل الثواب ، لان تعظيم غير فاعل الثواب لا يؤثر ، والتعظيم لا يعلم إلا مع العلم بالقصد إلى التعظيم ، ويستحيل أن يعلموا قصده تعالى ، ولا يعلموه ، والقول في العقاب وكون الاستحقاق والإهانة تقارنه تجرى هذا المجرى . فأما بيان أن هذه المعرفة ضرورية ، فلأنها لو كانت من فعلهم ، لكانت إما أن تقع عن نظر يتحرون فيه ، ويلجؤون إليه أو عن تذكر نظر ، أو بأن يلجئوا إلى نفس المعرفة من غير تقدم نظر ، والأول باطل ، لان ذلك تكليف وفيه مشقة وقد بينا سقوط التكليف في الآخرة . ولا يجوز أن يلجئوا إلى النظر لأنهم لو ألجئوا إلى النظر لكان ألجأهم إلى المعرفة أولا ، وإلجاؤهم إلى المعرفة يمنع من إلجائهم إلى النظر ، ولا يجوز وقوعها عند تذكر النظر ، لان المتذكر للنظر يعرض له الشبه ، ويلزمه دفعها ، وفى ذلك عود الامر إلى التكليف ، وليس معاينة الآيات بمانع عن وقوع الشبه ، كما لم تمنع معاينة المعجزات والاعلام عن وقوعها ، ولا يجوز أن يكون الالجاء إلى المعرفة ، لان الالجاء إلى أفعال القلوب لا يصح إلا من الله تعالى ، فيجب أن يكون الملجأ إلى المعرفة عارفا بهذه القضية وفى ذلك استغناؤه بتقدم هذه المعرفة على الالجاء إليها . إن قيل : إذا قلتم إنهم مضطرون إلى المعارف ، فهل تقولون إنهم مضطرون إلى الافعال ؟